القضاء التونسي في مهبّ الاستبداد: كي لا تتكرّر مظالم الماضي

تقرير للشبكة العربية لاستقلال القضاء

خلال فترة الانتقال الديموقراطيّ، حقّق المجتمع التونسيّ مُكتسبات هامّة عزّزت الآمال في بناء سلطة قضائيّة مستقلّة وقادرة على حماية الحقوق والحريات.

وتمثّلت هذه المكتسبات أساسًا في إرساء مجلس أعلى للقضاء أُنيطت به إدارة المسار المهنيّ للقضاة واقتراح الإصلاحات التشريعية الضرورية لبناء قضاء مستقلّ، يتمتّع بالاستقلالية الوظيفية ومنفتح على غير القضاة، ثلثا أعضائِه منتخبون من قبل نظرائهم بصفة ديموقراطيّة وشفّافة.

كما تمثّلت في ربط أساس الوظيفة القضائيّة بحماية الحقوق والحريات.

وإذ شكّلت الإصلاحات التّونسيّة مصدر إلهام في المنطقة العربيّة، فإنّه تمّ تقويضُها بصورةٍ مُمنهجة في السّنوات الأخيرة، وصولًا إلى نظامٍ هجين تتولّى فيه وزارة العدل تنظيم القضاء، بما سهّل ويُسهّل استتباعه وتسخيره خدمةً لغايات السلطة الحاكمة، ويُعيد إحياء ممارسات زمن الاستبداد في تونس ما قبل الثورة؛

وهي ممارسات كانت أعمال العدالة الانتقاليّة قد أفردتْ حيّزًا هامًّا لها منعًا لتكرارها.

وقد جاءتْ الهيمنة السياسيّّة على القضاء في سياق مساعي رئيس الجمهورية إلى الاستيلاء على السّلطات العامّة كافة وهو الاستيلاء الذي بدأ في تجميد عمل البرلمان في 25 جويلية 2021 وتكلّل بإقرار دستور جديد كرّس نظامًا رئاسيًّا مضخّمًا.

ويُلحظ أنّ وضع اليد على القضاء بهذه الصورة ما كان ليحصل ويسود لو لم تسبقْه أعمال قهر وترهيب داخل جسمي القضاء والمحاماة، وهو نهجٌ يتواصل وصولًا إلى تقويض أيّ مقاومةٍ أو مواجهة قضائيّة أو حقوقيّة.

وقد طالت الاستهدافات مؤخّرًا هياكل وشخصيّات كان لهم الدور الرّياديّ في تاريخ تونس في الدّفاع عن استقلاليّة القضاء وتحقيق إصلاحات ما بعد 2011 ومنها جمعية القضاة التونسيّين.

هذا ما سنحاول إبرازه في هذا التّقرير الذي نريدُه معبّرًا في توصيف النّظام الهجين الذي يهيمن على القضاء التونسيّ، والأدوات المُستخدمة من أجل تدعيمه وقهر أيّ مواجهة له.

كما سنتناول في النّهاية عيّنةً من المحاكمات التي عكستْ النّتائج العمليّة لوضع اليد على النظام القضائيّ، وتحوير الوظيفة القضائيّة المنشودة من وظيفة حماية الحقوق والحريّات إلى وظيفة خدمة النظام السّائد.

الفصل الأول: تجريد القضاء التونسيّ من ضمانات استقلاليته

هنا سنتوقّف عند الإجراءات التي اتّخذتْها السّلطة الحاكمة الحاليّة بغية تقويض النظام الذي انبنى على ضمانات استقلالية القضاء في اتجاه استبداله بنظام يقوم على إشاعة الخوف والهشاشة وتاليا التبعيّة داخل الجسم القضائي.

وقد تم ذلك ليس فقط من خلال تقويض الضمانات القانونية، ولكن أيضا من خلال قمع حريّة القضاة في التعبير والتجمع ومعها إنكار حقوقهم في الدفاع عن النفس.

وبفعل ذلك، انتقل القضاء من مسارٍ يسعى إلى ترسيخ استقلاليّته ودوره في تكريس المبادئ الديمقراطيّة وحماية الحقوق والحريّات إلى أداةٍ توظّفها السّلطة السياسيّة لإحكام هيمنتها على المُجتمع برمّته.

فكيف حصل ذلك؟ هذا ما سنحاول تبيانه أدناه.

المجلس الأعلى للقضاء المستقلّ يُستبدل بمجلس مؤقت ثم بالفراغ

في تاريخ 6/2/2022، أعلن رئيس الجمهورية قيس سعيّد من وزارة الداخليّة قراره بحلّ المجلس الأعلى للقضاء الذي تمّ إرساؤه على أساس دستور 2014، موجّهًا خطابه إلى أعضائه بقوله: "اعتبروا مجلسكم من الماضي".

وتنفيذًا لهذا القرار الشفويّ، حاصرت قوات أمنية مقرّ المجلس، وتمّ تغيير أقفاله، ونُصبت حواجز حالت دون الوصول إليه، بما يذكّر بحادثة إغلاق مجلس نواب الشعب في 25 جويلية 2021.

ولاحقًا، وبتاريخ 12 فيفري 2022، أصدر رئيس الجمهورية المرسوم عدد 11 لسنة 2022، الذي تولّى إضفاء إطار قانونيّ لاحق على قرار الحلّ، عبر إحداث مجلس أعلى للقضاء مؤقّت كبديل عن المجلس المنحلّ.

وقد تكوّن هذا المجلس المؤقّت من قضاة حكميّين معيّنين بحكم وظيفتهم وقضاة مُتقاعدين يعيّنهم رئيس الجمهورية مباشرة.

كما تم تجريده من أيّ استقلالية وظيفية حقيقيّة في أداء مهامه، بما شكّل قطيعةً واضحة مع الضمانات الدستورية والمعايير الدولية لاستقلاليّة القضاء.

وفي تاريخ لاحق، اتّخذت السّلطة التنفيذيّة إجراءات من شأنها تفكيك المجلس المؤقت الذي أرسته بنفسها وبناء على النظام الخاص الذي وضعته.

تمّ ذلك بموجب الحركة القضائية للسنة القضائية 2023-2024 من خلال تجريد عضوين من أعضائه الحكميين من وظائفهم التي منحتهم العضوية في المجلس وهما وكيل الدولة العام لدى محكمة التعقيب والرئيس الأول للمحكمة العقارية؛

كما تمّ إحالة آخرين هما الرئيس الأول لمحكمة التعقيب ووكيل الدولة العام مدير المصالح العدلية على التقاعد من دون سدّ الشغورات النّاجمة عن نقل الأولين أو إحالة الأخيرين على التقاعد.

وقد أدّت هذه الإجراءات المتعمّدة إلى تعطيل سير المجلس وإفراغه من قدرته الوظيفية.

استندت لاحقا السلطة الى الفراغ الذي أحدثته لتفرض إدارة مباشرة للقضاء يحتكرها فيما هو ظاهر رئيس الجمهورية قيس سعيّد على مستوى تعيين القضاة وترقيّاتهم ووزيرة العدل ليلى الجفال فيما تعلّق بتأديبهم ونقلهم بين المحاكم وهو الوضع الذي مسّ بالأمان الوظيفي للقضاة وأوجد سبلًا لتدخّل السلطة السياسية في القضاء عموما وفي الملفات القضائية بشكل محدد ومباشر.

"نحن نشعر بقلق بالغ إزاء الأثر السلبيّ للإجراءات الأخيرة التي اتخذتها السلطة التنفيذية على استقلال القضاء، والحق في محاكمة عادلة، وإمكانية النفاذ إلى العدالة للجميع في تونس. وقد شرعت وزارة العدل في استخدام آلية مذكّرات العمل بشكل تعسّفي وخارج أي إطار قانوني، بهدف تغيير تركيبة المحاكم، ورؤسائها، وقضاة النيابة العمومية، وقضاة التحقيق، والدوائر القضائية. ونزداد قلقًا لأن هذه المذكّرات جاءت عقب استجواب قضاة من قبل التفقدية العامة بوزارة العدل، ولأنها تمسّ باستقلاليّة العمل القضائي وحياده. كما أنّ هذه التغييرات التي أُجريت في منتصف السنة القضائية تبدو وكأنها إجراءات انتقامية أو عقوبات". من بيان صادر عن المقرّرين الخاصّين للأمم المتحدة، مارغريت ساترثويت، المقرّرة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين؛ وجينا روميرو، المقرّرة الخاصة المعنية بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات؛ وإيرين خان، المقرّرة الخاصة المعنية بحرية الرأي والتعبير؛ وماري لولور، المقرّرة الخاصة المعنية بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان. وقد صدر البيان في تاريخ 31/5/2024 تحت عنوان: "يجب وقف التدخل في النظام القضائي ومضايقة المحامين في تونس".

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنّ دستور سنة 2022، الذي صاغ نصّه رئيس الجمهورية، تراجع بوضوح عن المقاربة التفصيلية التي اعتمدها دستور 2014 في تكريس ضمانات استقلال القضاء، إذ لم يتعرّض لهذه الضمانات إلاّ على نحو مقتضب.

فقد اقتصر الفصل 119 منه على التنصيص على أنّ القضاء ينقسم إلى قضاء عدلي وقضاء إداري وقضاء مالي، وأنّ مجلسًا أعلى يشرف على كلّ صنف من هذه الأقضية.

وإلى حدود تاريخ إعداد هذا التقرير، لم تتّخذ السلطة الحاكمة أيّ إجراء فعلي لإرساء هذه المجالس، وهو ما أتاح لها الاستمرار في الإدارة المباشرة للشأن القضائي، في تعارض صريح مع متطلّبات استقلال السلطة القضائية.

الإعفاءات الإدارية أو ما سُمّي بمجزرة القضاة

في الساعات الأولى من يوم 01 جوان 2022، أصدر الرئيس قيس سعيّد المرسوم عدد 34 المنقّح للمرسوم المُحدث للمجلس الأعلى المؤقّت للقضاء وأسند بموجبه لنفسه صلاحيّة إعفاء القضاة بقرار إداريّ من دون أن يكون للمجلس القضائيّ المختصّ أيّ دور في هذا الخصوص.

وتبعًا لهذه الصلاحية التي منحها الرئيس لنفسه، عمد إلى اتّخاذ قرار في اليوم نفسه بإعفاء 57 قاضيًا من مهامّهم.

وقد استعرض رئيس الجمهورية علنًا ما نسبه إلى القضاة المعنيين بالإعفاء، حيث وجّه إلى 30 منهم اتهامات تتعلّق بما اعتبره "تورّطًا في الإرهاب"، على خلفية رفضهم اتّخاذ قرارات إيداع بالسّجن ضدّ أشخاص وصفهم بالإرهابيّين.

كما اتّهم قاضيتيْن بالزنا، وقضاة آخرين بشبهات فساد مالي أو باتخاذ مواقف سياسية معارضة.

ويكشف تحليل توزيع القضاة المشمولين بالإعفاء عن معطيات دالّة، من أبرزها:

وتؤكّد هذه المعطيات مجتمعةً الطابع السياسيّ للإعفاءات، واستهدافها المباشر لقضاة ارتبطت أعمالهم أو مواقفهم باستقلاليّة القضاء أو بملفّات قضائيّة ذات حساسيّة سياسيّة، بما يشكّل مسًّا خطيرًا بمبدأ الفصل بين السّلط والضّمانات الأساسيّة لاستقلال السلطة القضائية.

تبعًا لهذه الإعفاءات، أجمعت الجمعيات القضائية (وهي جمعية القضاة التونسيين ونقابة القضاة التونسيين وجمعية القضاة الشبان واتحاد القضاة الإداريين واتحاد قضاة محكمة المحاسبات) على رفضها التدخل السافر للسلطة السياسية في إدارة المسار المهني للقضاة وعلى التضامن مع القضاة المعفيّين في موقف أعلنته بتاريخ 04 جوان 2022. كما أعلن 3 قضاة معفيين هم حمادي الرحماني ومحمد الطاهر الكنزاري ورمزي بحرية في اليوم نفسه إضرابًا عن الطعام انضم إليه لاحقا زميلان لهما هما أحمد العبيدي وقيس الصباحي.

ودام تحركهم الاحتجاجي 38 يوما وقد انتهى إلى نقلهم على مراحل إلى المستشفى بعد إصابتهم بإعياءٍ شديد.

وعلى الرغم من أن المحكمة الإدارية أصدرت في تاريخ 09 أوت 2022 قرارات بإيقاف تنفيذ 49 قرارًا من قرارات الإعفاء، فإنّ السلطة التنفيذية رفضتْ وما تزال ترفض الامتثال لها.

وقد صدرت قرارات النقلة القضائية عن هذه الأخيرة في السنوات اللاحقة من دون أن تشمل أسماء هؤلاء القضاة.

لا بل أنّ مشروع النقلة القضائيّة لسنة 2022 الذي أعدّه المجلس الأعلى للقضاء العدلي والذي تضمّن أسماءهم عطّلت الحكومة إصداره للمرة الأولى في تاريخ تونس، لأسباب لم يُعلن عنها.

وعليه، يشكّل الاستمرار في إقصاء هؤلاء تعدّيا واضحًا على أشخاصهم وفق أحكام القانون التونسي، فضلا عن كونه انتهاكًا جسيمًا لمبادئ استقلاليّة القضاء وعاملًا أساسيّا في صناعة هشاشة القضاة وبثّ الخوف في أوساطهم من إمكانية فقدان وظيفتهم في أي لحظة بقرار إداري ومن دون أي حماية قضائية.

ويعاني هؤلاء بنتيجة ذلك من فقدان رواتبهم مع ما يستتبع ذلك من ضيق عليهم وعلى عائلاتهم.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ التعرّض لحقوق هؤلاء القضاة امتدّ إلى رفض طلبات التّرسيم التي قدّمها بعضهم إلى الهيئة الوطنيّة للمُحامين في تاريخ 11/7/2024، وهو تعرّض باشر المجلس الحالي للهيئة المنتخب حديثا إعادة النظر فيه.

وزارة العدل تدير المسارات المهنيّة للقضاة

لم تُصدر السلطة السياسية الحركة القضائية للسنة القضائية 2022-2023. لاحقًا، أصدرت السلطة السياسية الحركة القضائية للسنة القضائية 2023-2024، والتي أدّت كما سبق بيانه إلى تفكيك المجلس الأعلى المؤقّت للقضاء العدلي عبر إحداث شغورات صلب تركيبته.

وقد خوّل هذا الواقع السّلطة التنفيذيّة الانفراد بإدارة المسارات المهنيّة للقضاة، بالاستناد إلى قانون قديم (قانون عدد 29 لسنة 1967) وهو القانون الذي كان قد تمّ إلغاؤه (نسخه) ضمنًا بموجب التوجّه بمنح المجالس القضائيّة صلاحيّةً شاملةً وحصريّةً في اتّخاذ القرارات المتّصلة بالمسارات المهنيّة للقضاة، تبعًا لثورة جانفي 2011. وقد تمّ تكريس هذا التوجّه تحديدًا في دستور 27 جانفي 2014 ومن ثمّ في القانون الأساسيّ عدد 34 لسنة 2016 المؤرّخ في 28 أفريل 2016، والمتعلّق بإحداث المجلس الأعلى للقضاء.

ويلحظ هنا أنّ عددًا هامًّا من مذكّرات النّقل استهدفت مراكز قضائيّة تتولّى النّظر في قضايا ذات طابع سياسيّ.

ومنها ما وثّقته الأوساط القضائية من نقل لقضاةٍ من دون رضاهم وإسناد المهام التي سحبت منهم لصالح قضاة آخرين في دوائر تعهدت بالنظر في تهم انتخابية نسبت لمنافسي رئيس الجمهورية ومنهم المرشح عياشي الزمال.

بتاريخ 04 سبتمبر 2024، قرّرت النيابة العمومية لدى المحكمة الابتدائية بمنوبة الاحتفاظ بالمرشّح آنذاك للانتخابات الرئاسيّة عياشي الزمال، على خلفية اتّهامه بتدليس تزكيات انتخابية. غير أنّ الهيئة الحكمية بذات المحكمة قرّرت، بعد يوم واحد فقط، الإفراج عنه. وفي ما اعتبره عدد من الملاحظين ردّ فعل على هذا القرار القضائي، أقدمت وزيرة العدل على تجريد القاضية آسيا العبيدي من خطّة رئيسة للمحكمة التي كانت تتولّاها، وأصدرت، بمقتضى مذكرة عمل، قرار نقلها إلى محكمة الاستئناف بالكاف، وهي محكمة تبعد عن مقرّ سكناها بأكثر من مائة وستين كيلومتراً.

كما صدرت مذكّرات أخرى لاحقًا على خلفيّة قرارات قضائية اتّخذها القضاة المعنيّون بها.

وكانت بما تضمّنته من نقل إلى مراكز عمل بعيدة عن مقرّات السكن وسحب للخطط وحطّ من الدرجة، بمثابة عقوبات إداريّة بحقّ هؤلاء، تفردّت السلطة التنفيذية في اتخاذها من دون حتى الاستماع إليهم أو تمكينهم من الدفاع عن أنفسهم.

وهو ما يُرجّح الإفراط في استعمال آلية النقل كوسيلة للتدخّل في سير العدالة والتأثير في القضاة، في انتهاك صارخ لمبدأ استقلال السلطة القضائية وحظر التدخّل في أعمالها.

كما أصدرت وزيرة العدل ليلى الجفال أوامر بإيقاف عدد من القضاة عن العمل خارج أيّ مؤاخذة تأديبية، ومن دون احترام إجراءات المساءلة أو آجالها القانونيّة، في مساسٍ جسيم بالحقوق المهنيّة والأدبيّة للقضاة، وضمانات المؤاخذة التأديبيّة العادلة.

وقد رصدت الشبكة ست حالات على الأقلّ. وتهمّ الإشارة هنا إلى أن القانون التونسي يخلو من أيّة ضماناتٍ للقاضي الموقوف عن العمل، في الحصول على أجره أو على التغطية الاجتماعية خلال مدة وقفه عن العمل.

كما أنه لا يضع فترة قصوى للوقف عن العمل. وقد تمّ رصد 4 حالات تجاوزت فيها مدة الوقف عن العمل السنتين.

حالة قاضي التحقيق طارق السبعي تعهّد قاضي التّحقيق طارق السبعيّ في تاريخ 12/2/2023 بملفّ جرى فيه توجيه تهمة سرقة محجوز في قضية جنائية (قرص مضغوط) إلى رئيس نقابة أعوان العدلية كاتب المحكمة حطّاب بن عثمان، المعروف بمواقفه المعارضة لرئيس الجمهورية. وبعد مباشرة أعمال التحقيق، تبيّن لقاضي التحقيق أنّ الاتهام مجرّد من أيّ دليل وأن ثمّة قرائن على كون القرص المدّعى سرقته موجودًا في خزينة المحكمة. وعلى هذا الأساس، أصدر قاضي التحقيق في التاريخ نفسه إبقاء المتهم بحالة سراح.
وفي اليوم الموالي، وعند محاولة القاضي المعنيّ الالتحاق بمكتبه، تفاجأ بتغيير أقفال المكتب بما حال دون مباشرته لعمله. وأُعلم من قبل الإطار المشرف على المحكمة التي يعمل بها بصدور قرار في إيقافه عن العمل، وأنّ رئيس الجمهورية تقدّم في شأنه بطلب إعفاء. وبعد نحو شهر، تعهّد مجلس القضاء العدلي بطلب الإعفاء، وانتهى إلى رفضه، مع إحالة الملفّ إلى رئيس الجمهورية، الذي يملك، بمقتضى النصوص القانونية السارية، صلاحية الإعفاء من دون التقيّد برأي المجلس.
وإلى حدود تاريخ تحرير هذا التقرير، لم يصدر أيّ مقرر إداري فيما يتعلّق بالوضعية القانونية للقاضي طارق السبعي، الذي لا يزال ممنوعًا من مباشرة عمله، ومحرومًا من أيّ تغطية اجتماعية، كما لا يتقاضى أجره، في وضعية قانونية معلّقة تمثّل مساسًا خطيرًا بمبدأ الأمن الوظيفي للقاضي وضمانات المحاكمة التأديبية العادلة.

في الاتجاه نفسه، أي المسّ بالأمان الوظيفيّ للقضاة، تراجعت وزارة العدل عن مبدأ الترقية الآلية الذي تمّ اعتماده بعد الثورة في جريان عمل التزم به منعا لاستغلال الترقية في استتباع القضاء.

تجريد القضاة من حرياتهم وحقوقهم الأساسية

لم يقتصر التعرّض للقضاة على تجريدهم من ضمانات استقلاليتهم المؤسساتية، بل شمل أيضا حرياتهم وحقوقهم الأساسية.

حملات التشهير للنيل من كرامة القضاة وسمعتهم:

بعد 25 جويلية 2021، تزايد عدد صفحات التواصل الاجتماعيّ التي أعلنت مساندتها لرئيس الجمهورية قيس سعيّد، واختصّت في حملات تشهير ممنهجة استهدفت القضاة والمجلس الأعلى للقضاء، ودعت صراحة إلى "تطهير" البلاد منهم.

وقد حظيتْ هذه الصفحات بانتشار واسع، وكانت تتداول، بشكل شبه يومي، مضامين تتضمّن تشهيرًا بالقضاة بالاسم والصورة، واتّهامات لهم بالفساد.

ولم تُسجَّل في المقابل أيّ إدانة رسمية من السلطة لهذه الحملات.

كما أنّ الشكايات التي تقدّم بها بعض القضاة المتضرّرين لم تفضِ إلى أيّ نتائج، بما يعكس مناخًا من الإفلات من المساءلة إزاء أفعال تمسّ بالسمعة والحقوق الأساسية.

"إن المكتب التنفيذي لجمعية القضاة وإذ يذكّر بأنه سبق لجمعية القضاة أن رفعت عديد الشكايات ضد الصفحات ... ظلت إلى اليوم تراوح مكانها، الأمر الذي مكن هذه الصفحات من مواصلة نشاطها ومثّل غطاء للقائمين عليها للإفلات من أية محاسبة قانونية وشجع أصحابها على المضي قدما في ممارساتهم إمعانا في هتك الحرمات والأعراض دون رادع واختلاق الأفعال باطلة ولا أساس لها من الصحة."

يستنكر صمت السلطة السياسية عن هذه الأفعال والاعتداءات التي تقع تحت أنظار وزيرة العدل والصادرة من أشخاص وصفحات يدعون قربهم من رئيس الجمهورية والدفاع على خياراته.

"ينبّه إلى خطورة ما قد تخفيه هذه الاعتداءات الممنهجة من أغراض مبيتة في شكل حملات اتّصالية منسّقة تدار في أغلبها بواسطة صفحات تواصل اجتماعي مشبوهة تنشط خارج القانون"

مقتطف من بيان للرأي العام صدر عن جمعية القضاة بتاريخ 05/06/2023.

وفي الوقت نفسه، واصل رئيس الجمهورية في خطبه وتصريحاته العلنية مهاجمة القضاة والمجلس الأعلى للقضاء بشكل متكرّر، متّهمًا إيّاهم بالفساد والخضوع للسياسيّين.

وهو ما أسهم في إضفاء مشروعية سياسيّة على حملات التشهير الرقمية.

وقد ساهم الخطاب المحرّض على القضاة والمشهّر بهم في صناعة مناخ العداء تجاههم وتجاه القضاء والجمعيّات القضائية عمومًا، على نحو سهّل من ثمّ تفكيك المؤسسات الضامنة لاستقلالية القضاء وانتهاك حقوق القضاة على أكثر من مستوى.

التعرّض لحريّة القضاة في التعبير والتجمّع دفاعًا عن استقلاليّة القضاء:

يتعرّض القضاة الناشطون في الدفاع عن استقلالية القضاء أو في الاعتراض على المسّ به، لصور متعددة من الاستهدافات.

فقد سجّل مؤخّرا إفراط في استخدام آليّة التحقيق التأديبي بشأن إعلان قضاة تمسكهم باستقلاليّتهم أو استهجانهم التعرّض لها.

وبالفعل، تمّ استدعاء قضاة على خلفية ممارستهم حرية التعبير سواء عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو ضمن مجموعات مغلقة مخصّصة للقضاة، للمثول أمام التفقدية العامة لوزارة العدل، حيث تمّت مساءلتهم بخصوص تلك المواقف.

وتمثّل هذه الممارسات إخضاعًا للقضاة للمساءلة بسبب آرائهم، بما يشكّل تدخّلًا مباشرًا في حرّيتهم في التعبير وضغطًا على استقلالهم الوظيفي.

"تواتر توجيه وزارة العدل بواسطة جهاز التفقدية العامّة لاستدعاءات لعدد من القضاة والقاضيات لاستجوابهم حول آرائهم ومواقفهم الناقدة لما آل إليه الوضع القضائي من تبعية تامّة للسلطة التنفيذية وما نتج عن ذلك من نتائج خطيرة على الوضع في البلاد وعلى الحقوق والحريات في علاقة بصدور الأحكام القاسية والقصوى على خلفية ممارسة حرية التعبير والنشاط المدنيّ والسياسيّ والعمل الصحفيّ والإعلاميّ كل ذلك في ظلّ إخلالات إجرائيّة بيّنة تتعارض وأبسط قواعد المحاكمات العادلة"

- من بيان جمعية القضاة التونسيين بتاريخ 15/12/2025.

كما عمدتْ السّلطة التنفيذيّة بعد تولّيها إدارة المسارات المهنية للقضاة مباشرة إلى اتخاذ قرارات بحقهم على خلفية مواقفهم الاستقلالية، من دون أيّ تعليل أو إجراءات شفافة.

وتمثّلت هذه القرارات أساسًا في نقل القضاة من دون رضاهم في مخالفة صريحة لأحكام الفصل 121 من دستور 2022 النافذ حاليّا، كما هي الحال بالنسبة إلى القاضي فاكر محجوب الذي تمّ نقله من مقرّ عمله بمحكمة التعقيب إلى محكمة الاستئناف بالقيروان خلافًا لإرادته وكذلك القاضي محمد مفتاح الذي نُقل من محكمة التعقيب إلى محكمة الاستئناف بباجة، ثم من محكمة الاستئناف بباجة إلى محكمة الاستئناف بقفصة.

وإذ تزامن قرارا نقل القاضيين محجوب ومفتاح، فإنهما جاءا بعد ترشّحهما لعضوية المكتب التنفيذي لجمعية القضاة التونسيين، على نحو يرشح عن تعرّض لنشاطهما النقابيّ.

كما شملت هذه المقرّرات الإدارية حرمان بعض القضاة من حقّهم في الترقيّة، ومن ذلك القاضية إيمان العبيدي التي حُرمت من الترقية من الرتبة الثانية إلى الرتبة الثالثة لمدة سنتين قضائيتين متتاليتين على خلفية مواقفها من تدخل السلطة السياسية في القضاء.

التعرّض لجمعية القضاة التونسيين:

في السياق نفسه، تعرّضت جمعية القضاة التونسيين التي عرفت بمواقفها الاستقلالية لممارسات إدارية هدفت إلى التضييق عليها.

من أبرز أشكال التعرض للجمعية:

وقد ترافق ذلك مع صدور عدد من القرارات القضائية بتعليق نشاطات جمعيات تونسية لمدة شهر بناء على طلب الحكومة.

التعرّض لرئيس جمعية القضاة القاضي أنس الحمادي. فقد فُتح بتاريخ 21 أكتوبر 2022 بحث تحقيقي ضده بناء على وشاية من محام بتهمة "تعطيل حرية الخدمة" طبقًا لأحكام الفصل 136 من المجلة الجزائية.

وقد نسبت الجهة الواشية إليه أنه منع رئيس الدائرة الاستعجاليّة بالمحكمة الابتدائيّة بالمنستير من تأمين جلسته، التزاما بقرار التوقف عن العمل الذي أعلنت عنه الجمعية.

يلحظ أنّ الشكاية خلت من أي معاينة شخصية من قبل الشاكي للوقائع المدّعى بها.

كما أنّ القاضي الذي زُعم أنّه مُنع من عقد جلسته قد نفى صراحة تعرّضه لأي ضغط أو منع أو اعتداء حال دون مباشرته لعمله.

وبذلك تنتفي، وفق إفادته، الشروط المكوّنة للجرم الجزائي المنسوب. ومع ذلك، تمّ استدعاء القاضي أنس الحمادي إلى عدة جلسات استنطاق، قبل أن تصدر الدائرة الجناحية بالمحكمة الابتدائية بتونس بتاريخ 06 أفريل 2026 حكمًا ابتدائيًا يقضي بسجنه لمدة عام كامل.

وقد مثّل هذا الحكم سابقة غير معهودة في تاريخ القضاء التونسي، وكشف عن توظيف محاكمته في سياق استهداف حق القضاة في الدفاع عن استقلالية القضاء.

ومن جهة ثانية، وإذ حذّر القاضي الحمادي في تاريخ 10 ديسمبر 2025 بمناسبة تظاهرة نظّمتها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، من مخاطر الإخلال بمبادئ المحاكمة العادلة وتوظيف القضاة في محاكمات ذات طابع سياسي، تقدم قضاة شاركوا في هذه المحاكمات بشكايات ضدّه على خلفية ما عدّوه مسًا باعتبارهم وشرفهم المهنيّ.

وعليه، تعمّد وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس فتح ثلاثة أبحاث تحقيقية ضد القاضي أنس الحمادي، نُسبت إليه فيها تهم تتعلّق بالتشهير، وذلك من دون احترام الإجراءات الدستورية والقانونية الواجبة لإثارة التتبعات الجزائية ضد القضاة.

وإذ تؤكد الشبكة تضامنها مع القاضي أنس الحمادي فيما يتعرض له من مضايقات وملاحقات، فإنها تسجل باعتزاز شجاعته في التمسك باستقلالية القضاء، وتعتبر موقفه مثالًا للسلوك القضائي المسؤول والملتزم بقيم العدالة و بالدور الذي يضطلع به القاضي في حماية سيادة القانون وصون الحقوق والحريات.

إنكار حصانة القضاة والتضييق على حقوقهم في التقاضي والدفاع

رصدت الشبكة تجاوز الضّمانات الإجرائيّة لملاحقة القضاة جزائيّا والتي تتمثل في وجوب رفع الحصانة عنهم من قبل المجلس الأعلى للقضاء عملًا بالفصل 121 من دستور 2022. وتنسجم هذه القاعدة الدستوريّة مع مقتضيات المرسوم عدد 11 لسنة 2022، الذي أسند حصريًا إلى المجلس الأعلى المؤقت للقضاء صلاحية رفع الحصانة القضائية عن القضاة المطلوب ملاحقتهم جزائيا.

وخلافًا لهذه الأحكام القانونية الصريحة، عمدت السلطة السياسية إلى إثارة عشرات التتبعات الجزائية في حق قضاة معفيين، استنادًا إلى وقائع لها صلة مباشرة بأعمالهم القضائية، وذلك من دون التقيّد بالإجراءات القانونية الواجبة.

كما تمّت إثارة تتبعات جزائية ضد مجموعة أخرى من القضاة المباشرين، أُرفقت بإجراءات احترازية منها تحجير السفر عنهم.

كما تم التعرّض لعدد من المحامين المتطوعين للدفاع عن حقوق القضاة واستقلاليّتهم، على نحو استهدف استقلالية القضاة واستقلالية المحامين على حدّ سواء.

وهذا ما سنتناوله في الفصل الثاني من هذا التقرير الذي نخصّصه لحالات التعرض لاستقلالية المحامين.

الفصل الثاني: انتهاك استقلاليّة المحامين على خلفية ممارسة حق الدفاع

لقد مثّلت المحاماة التونسيّة، بما اضطلعتْ به من أدوارٍ رياديّة خلال الثورة التونسيّة، وبما ساهمت به في إنجاح مرحلة الانتقال الديمقراطي، نموذجًا متقدّمًا في الدفاع عن الحقوق والحريات، وقد حققت مكاسب هامة لحقّ الدفاع.

إلّا أنّ هذه المكاسب شهدتْ، خلال السنوات الأخيرة، تراجعًا مقلقًا، إذ باتت مهنة المحاماة تعاني من معوّقات جدّية لأداء دورها في حماية الحقوق والحريات وضمان المحاكمة العادلة.

كما تعرّض عددٌ متزايد من المحامين والمحاميات، ولا سيما المنخرطين في الدفاع عن القضاء وبشكل أعمّ القضايا العادلة وقضايا الرأي والمعارضة السياسية، موضوع ملاحقات جزائيّة، على خلفيّة مباشرة مهامّهم المهنيّة وممارستهم لحقّ الدفاع.

استهداف هيئة الدفاع عن القضاة المعفيين

تبعًا لإعفاء القضاة، شكّل محامُون متطوّعُون هيئة للدفاع عنهم.

وإلى جانب الطّعون التي قدّمتها الهيئة إلى المحكمة الإدارية لإيقاف تنفيذ هذه الإعفاءات (وهي الطّعون التي قبلت المحكمة القسم الأكبر منها)، عقدت الهيئة عددًا من المؤتمرات الصحافيّة.

وقد تعرّض منسّق الهيئة المحامي عياشي الهمامي لتتبّع جزائي وفق الفصل 24 من المرسوم عدد 54 السالف ذكره على خلفية إدلائه بتاريخ 29-12-2022 بتصريح إعلامي تحدّث فيه "حول بعض تفاصيل الخروقات الجسيمة الحاصلة في ملفات القضاة المعفيين المحالين على قطب مكافحة الإرهاب وهي الإحالة التي تمّت بناءً على تعليمات صدرت في اليوم ذاته عن مدير ديوان وزيرة العدل إلى الوكالة العامة بمحكمة الاستئناف بتونس ثم إلى وكالة الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس".

كما أثير تتبع مماثل ضد المحامي غازي الشواشي بعد إدلائه بتصريح مماثل اتّهم فيه وزيرة العدل بفبركة ملفّات جزائية ضدّ القضاة المعفيين.

وتجدر الإشارة إلى أن كلا من المحاميين العياشي والشواشي موقوفان حاليًّا تبعًا لصدور أحكام استئنافيّة ضدهما في قضية التآمر، وهي القضية التي نتناولها في الفصل الثالث كنموذج ذي دلالة على الإخلال المتمادي في مبادئ المحاكمة العادلة.

"في 30/12/2022، فتحت النيابة العمومية بتونس العاصمة، بناء على تعليمات من وزيرة العدل، تحقيقًا بشأن المحامي العياشي الهمامي على خلفية التصريحات التي أدلى بها خلال مقابلة في إحدى محطات الراديو بصفته محامي دفاع ومنسق هيئة الدفاع عن القضاة المعفيين، في 29/12/2022. وخلال هذه المقابلة، صرّح الهمامي: "إن رفض وزيرة العدل لتنفيذ أمر صادر عن المحكمة الإدارية يقضي بإعادة القضاة المعفيين إلى مناصبهم يصل إلى درجة جريمة وأضاف أنه يعتزم "التقدم بشكاية ضد الوزيرة نيابًة عن 37 من هؤلاء القضاة"؛ ويندرج كل ما صَّرح به العياشي الهمامي تحت الخطاب المحمي بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان." المصدر: "محامون يستَهَدفون بالمضايقة القضائية والأعمال الانتقامية"، منظمة العفو الدولية، 28/3/2024.

استهداف محامين على خلفية انخراطهم في قضايا حريات عامة

فضلًا عمّا تقدّم، تمّ استهدافُ 22 محاميًا تونسيًا تولّوا مباشرة قضايا على صلة بالحريّات العامّة، وذلك عبر تتبّعات جزائيّة ذات طابع جنائيّ موضوعها وقائع كانت مرتبطة مباشرةً بالقضايا التي يباشرُونها، وفي إطار ممارستهم المشروعة لدورهم في الدفاع عن منوّبيهم.

وهم تباعًا عبد الرزاق الكيلاني، سمير ديلو، سعيدة العكرمي، إيناس حرّاث، سامي الطريقي، أنور أولاد علي، رضا بالحاج، الناصر الهرابي، منية بوعلي، رمزي بن دية، مالك بن عمر، محسن السحباني، رؤوف أبا، نزار التومي، عبد العزيز الصيد، إسلام حمزة، دليلة بن مبارك، حنان الخميري، وأحمد صواب.

كما سجّلت الشبكة حرمان 14 منهم من حقّهم في السّفر منذ 21 مارس 2023.

كما اضطرّ عدد آخر من المحامين إلى مغادرة البلاد فيما يشبه الهجرة القسرية.

بتاريخ 31 ديسمبر 2022، أقدمت قوّات أمنيّة على إيقاف المحامي والسياسي نور الدين البحيري، دون إعلامه بوجهة اقتياده، ومن خارج أي إنابة قضائية أو إذن قانوني. وقد تبيّن لاحقًا إخضاعه لقرار إقامة جبريّة صادر عن وزير الداخليّة، مع نقله إلى مكان لم يُعلن عنه ولم تُعلَم به عائلته. وإثر ذلك، تفطّن محاموه إلى وجوده بجهة منزل جميل بالشمال التونسي، فتحوّلوا إلى مركز الحرس الوطنيّ بمنزل جميل للاستفسار عن مكان احتجازه ووضعه القانوني. غير أنّ أعوانًا من المركز بادروا إلى تقديم شكاية ضدّهم، على إثرها فُتح بحث تحقيقي شمل عددًا منهم. وبمناسبة ذلك، قرّر قاضي التحقيق خلال شهر مارس 2023 تحجير السفر على المحامين المعنيّين، وذلك دون تبرير موضوعيّ للإجراء المتخذ منه. ورغم انقضاء الأجل القانوني لهذا الإجراء والمحدّد بـ14 شهرًا وفق القانون التونسي، امتنعت السلطات عن رفع تحجير السفر، في مخالفة صريحة للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل.

كما أصدرت الدائرة الجنائية الابتدائية المختصة في القضايا الإرهابية في تاريخ 24/10/2025 الحكم بالسجن النافذ لمدة خمس سنوات في حقّ المحامي والقاضي الإداري السابق أحمد صواب، مع إيداعه السجن، وذلك لمجرّد إدلائه بتصريح إعلاميّ تطرّق فيه إلى الضغوط المسلّطة على القضاة المتعهّدين بالنظر في القضية المعروفة إعلاميًا بـ "ملفّ المؤامرة 1"، والتي يباشر فيها مهامّ الدفاع.

أدلى صواب بتصريحه المذكور بتاريخ 19/4/2025، في إطار ندوة صحفية عُقدت أمام قصر العدالة بتونس.

وقد مثّل الضغوط بإشارة بيده إلى وجود سكين على رقاب القضاة الذين لا يلتزمون بتعليمات السلطة.

وبعد يومين فقط من ذلك، تمّ إيقافه وتوجيه تهم ذات صلة بالإرهاب إليه.

وإثر جلسة حُرم من حقّ حضورها، كما مُنع محاموه من الترافع عنه خلالها، بما يمثّل انتهاكًا صارخًا لمقتضيات المحاكمة العادلة، صدر ضده حكم ابتدائي يقضي بسجنه مدة 5 أعوام قبل أن تخفف محكمة الاستئناف بتونس بمقتضى حكمها الذي صدر بتاريخ 23 فيفري 2026 العقوبة إلى عشرة أشهر نافذة وهي المدة التي قضاها موقوفا وسنتين مؤجّلتي النفاذ.

"لاحقت السلطات التونسية صواب (69 عاما) بسبب تصريحات أدلى بها أمام المحكمة أثناء تمثيله متهمين في قضية "التآمر ضد أمن الدولة" سيئة الصيت. في 31/10/2025، حكمت عليه محكمة مكافحة الإرهاب في تونس العاصمة بالسَّجن 5 سنوات بالإضافة إلى 3 سنوات من المراقبة الإدارية. استغرقت محاكمته دقائق معدودة فقط؛ صواب لم يكن حاضرا، ووفقا لتقارير، مُنع الصحفيون من حضور المحاكمة". المصدر: هيومن رايتس ووتش، بيان صحفي 10/2/2026.

كما لاحظت الشبكة أنّ 13 قضية من مجموع القضايا الجزائية المثارة ضد محامين، تعلّقت باتهامات على خلفية تصريحات إعلامية.

وقد أُسِّست هذه التتبّعات على أحكام الفصل 24 من المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المتعلّق بمكافحة الجرائم المتّصلة بأنظمة المعلومات والاتصال.

ويُعدّ هذا المرسوم، وفقًا لما تؤكّده مختلف المرجعيات الحقوقية الوطنية والدولية، نصًّا يفرض قيودًا جسيمة وغير متناسبة على حرية التعبير، ولا يتماشى مع المعايير الدولية المعتمدة في المجتمعات الديمقراطية.

"فرض المرسوم عدد 54 لسنة 2022 الصادر في 13/9/2022 عقوباتٍ شديدة بالسّجن على النّشر المتعمّد والكيديّ للمعلومات الكاذبة عبر الشّبكات الرقميّة مُستندًا إلى عبارات غامضة مثل "أخبار كاذبة"، ويخول السلطات إغلاق كيانات مثل الوسائل الإعلامية ومنظمات المجتمع المدني على خلفيّة الجرائم المنصوص عليها في نصوصه. ويمنح السلطات أيضا صلاحيات كاسحة لمراقبة كيفية استخدام الناس للإنترنت، ولجمع البيانات الشخصيّة، واعتراض الاتصالات الخاصة بناء على معايير غامضة التعريف تجيز المراقبة واسعة النطاق – مثل إمكانية أن من شأن هذه المعلومات "أن تساعد على كشف الحقيقة حول جرائم يشتبه بارتكابها". "لقد سبق أن باشرت السلطات بفتح تحقيقات جنائية بموجب المرسوم عدد 54 لسنة 2022، ومن ضمن ذلك بسبب الانتقاد العلني الموجه لكبار المسؤولين الحكوميين. وبصرف النظر عن كيفية استخدام السلطات للمرسوم، فإن التهديد الذي يشكّله على حرية التعبير والخصوصية يهدّد بإحداث تأثير مرعب على كل من الاستخدام العام والخاص للإنترنت." المصدر: منظمة العفو الدولية، بيان صادر في تاريخ 2/12/2022 تحت عنوان: "يجب إلغاء المرسوم شديد القسوة لمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال".

كما يُذكر أخيرًا أنّه بتاريخ 11 ماي 2024 أقدمت عناصر أمنية على تنفيذ اقتحام عنيف لدار المحامي الكائنة بباب بنات بالعاصمة تونس، وهو أحد مقرات الهيئة الوطنية للمحامين، تمّ على إثره إيقاف المحامية سنية الدهماني، في خرق واضح لأحكام الفصل 46 من المرسوم عدد 79 لسنة 2011 المنظّم لمهنة المحاماة، والذي يقرّ حصانة خاصّة لمقرات الهيئة الوطنية للمحامين ويمنع المساس بها.

"في سابقة خطيرة لم تعرفها تونس حتى في أحلك فترات الاستبداد، أقدمت مساء اليوم السبت 11 ماي 2024 عناصر أمنية بالزي المدني وملثمة على اقتحام دار المحامي بشارع باب بنات واعتقال الأستاذة سنية الدهماني المحامية والإعلامية المعتصمة بالمكان منذ يوم أمس، إثر إصدار بطاقة جلب تعسفية في حقها على خلفية مداخلة إذاعية". المصدر: بيان الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان المؤرخ في 11/05/2024.

الفصل الثالث: الإخلال بمبادئ المحاكمة العادلة

شهدت تونس مؤخّراً العديد من المحاكمات غير العادلة، والتي ما كانت لتحصل لولا إسقاط الضمانات المهنيّة كما سبق بيانُه.

حصلت هذه المحاكمات في مجالات عدّة، منها محاكمات لشخصيات سياسية على خلفيّة نشاطهم السياسيّ أو ممارسة حقّ الترشّح للمناصب العامة أو محاكمات لمُحامين أو إعلاميين أو عاملين في منظمات حقوقيّة على خلفيّة نشاطاتهم المهنية.

سنكتفي هنا بإبراز أهم أشكال الإخلال بمبادئ المحاكمة العادلة.

انتهاك الحقّ في المقاضاة أمام القاضي الطبيعي

بعد 25 جويلية 2021، تمّ الاعتماد بشكل كبير على المحكمة العسكرية لإثارة قضايا شملت محامين، من بينهم سيف الدين مخلوف وعبد الرزاق الكيلاني، وصحفيين، من بينهم صالح عطية وعامر عياد، وبرلمانيين، من بينهم ياسين العياري وسيف الدين مخلوف ونضال السعودي وماهر زيد وعبد اللطيف العلوي ومحمد العفاس، إضافة إلى مدونين، من بينهم سليم الجبالي.

على خلفيّة إلقاء الصحفي عامر عيّاد قصيدةً للشّاعر أحمد مطر، وذلك خلال برنامج الحصاد السياسيّ الذي بثّته قناة الزيتونة مساء 01 أكتوبر 2021، وشارك فيه حينها عضو مجلس نواب الشعب عبد اللطيف العلوي، وجّه قاضي التحقيق العسكري إلى الإعلامي وضيفه تهم ارتكاب أمر موحش ضدّ رئيس الجمهورية والتحريض على العصيان، إضافة إلى إضعاف ثقة العسكر في القيادة العسكرية ونسبة أمور غير صحيحة إلى موظف عمومي. وبتاريخ 23 ديسمبر 2022، أصدرت محكمة الاستئناف العسكرية حكمًا يقضي بـسجن عامر عيّاد لمدة شهرين وبـسجن عبد اللطيف العلوي لمدة شهر واحد. وقد تمّ يوم 02 فيفري 2026 إيقاف عبد اللطيف العلوي وإيداعه السجن لقضاء المدة المتبقية من العقوبة المحكوم بها.

وفي تاريخ 14 فيفري 2026، أقدمت السلطات على إيقاف الناشطة التونسية ألفة الحمادي في مطار تونس، تنفيذًا لحكم قضائي صادر ضدّها عن المحكمة العسكرية، على خلفية تهم تتعلّق بتصريحات ومواقف علنية أعلنتها منتقدةً للسلطة.

وتؤكّد الشبكة أنّ مقاضاة المدنيّين أمام المحاكم العسكرية تمثّل اعتداءً صريحًا على حقّهم في المحاكمة العادلة، وتدعو إلى الكفّ الفوريّ عن هذا المسار، احترامًا لمبادئ دولة القانون وضمانات القضاء المستقل.

اعتماد الإجراءات الاستثنائية بشكل يقوّض شروط المحاكمة العادلة

في سنتي 2021 و2022، تمّ الالتجاء بشكل غير مبرّر للمقرّرات الإدارية على نحوٍ ينطوي على اعتداءٍ جسيم على الحقوق والحريات، من خلال فرض الإقامة الجبريّة على شخصيّات عامّة ومنع عدد آخر من السفر خارج البلاد، من دون أن يستند ذلك إلى أيّ تبرير قانوني أو رقابة قضائية فعّالة.

تاليًا، وفي سياق ما تمّ ويتمّ حاليًا من محاكمات شملتْ سياسيين وناشطين وحقوقيين وأصحاب أعمال ومدوّنين، وما برز من نزعة إلى التشدّد في السياسة الجزائيّة الرسميّة، سُجّل توسّعٌ ملحوظ في اعتماد الإيقاف التحفّظي وإصدار بطاقات الإيداع بالسجن والتصريح بأحكام سالبة للحرية.

وقد كان من آثار ذلك، وفق ما كشفت عنه الرابطة التونسية لحقوق الانسان في تقرير صدر عنها سنة 2025، تطوّر عدد نزلاء المؤسسات السجنية التونسية من 23 ألفًا سنة 2022 إلى 33 ألفًا سنة 2025، بنسبة اكتظاظ عامّ بلغت 150%، وذلك في ظلّ تردٍّ عامّ في أوضاع السجون وضعفٍ في التكفّل الرسمي بالمساجين، لاسيّما فيما يتعلّق بظروف الإقامة، والرعاية الصحية، والإعالة الأساسية.

ويثير هذا الوضع إشكاليات جدّية تتّصل باحترام المعايير الدستوريّة والالتزامات الدوليّة ذات الصلة بحماية الكرامة الإنسانية ومنع المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، فضلًا عن كون تجاوز عدد الموقوفين نسبة النصف من عدد المساجين يتعارض مع مبدأ أن الإيقاف التحفّظي يظلّ تدبيرًا استثنائيًا لا يُلجأ إليه إلا عند الضرورة القصوى ووفق ضوابط دقيقة.

وفي سياق متصل، لجأت السلطة إلى أحكام القانون الأساسيّ عدد 26 لسنة 2015 المؤرّخ في 7 أوت 2015 المتعلّق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، في ملاحقة معارضيها من الناشطين السياسيين والحقوقيين وقد استعملت أحكامه في فرض إجراءات في محاكماتهم تتعارض مع أصول المحاكمة العادلة، ولا سيّما بما يتصل بالإجراءات الآتية:

إطالة أمد الاحتفاظ والحدّ من ضمانات الحق في الدفاع، بما في ذلك التّضييق على الاتصال بالمحامي:

استُعملت أحكام القانون الأساسيّ عدد 26 لسنة 2015 المؤرّخ في 7 أوت 2015 المتعلّق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال للاحتفاظ بالمتهمين في القضايا ذات الصبغة السياسية خلال مرحلة الأبحاث الأولية لمدة خمسة عشر يومًا، وهي مدة تتجاوز بكثير الحدّ الأقصى للاحتفاظ في المادة الجزائية العادية المحدّد بستة أيام.

كما تمّ منعهم من الاتّصال بمحاميّهم خلال الثماني والأربعين ساعة الأولى من الاحتفاظ، وهو ما يشكّل مساسًا خطيرًا بضمانات الدفاع وخرقًا لمبدأ الحق في الاستعانة بمحامٍ منذ اللحظات الأولى للإيقاف.

وعليه، تطالب الشبكة السّلطات بمراجعة هذه الإجراءات في كل ما يتعلّق بالأشخاص المُحالين بموجب أحكام هذا القانون الاستثنائي، بما يكفل احترام ضمانات المحاكمة العادلة، ويعيد التقيّد بالطابع الاستثنائي والضيّق لتدابير مكافحة الإرهاب، دون التوسّع في تطبيقها خارج نطاقها المشروع.

- عدم تمكين المتهمين من الاطلاع على تفاصيل الأدلّة المثارة ضدّهم:

رصدت الشبكة، من خلال اطّلاعها على ملفّات عددٍ من القضايا التي طالت التتبّعات فيها معارضين للسلطة، أنّ الاتهام استند في أغلبه إلى إفادات شهود حُجبت هوياتهم، أدلوا بأقوال تتعلّق بوقائع لم يصرّحوا بأنهم حضروها أو عاينوها مباشرة.

كما تبيّن أنّ المتهمين ونوابهم طالبوا المراجع القضائية بتمكينهم من مناقشة الشهود ومجابهتهم، غير أنّهم مُنعوا من هذا الحقّ، بما حال دون اختبار مصداقيّة الإفادات المنسوبة إليهم.

ويُعدّ الاعتماد على أدلّة جزائية غير متضافرة، مع حرمان المتّهمين من حقّ مناقشتها ودحضها، مساسًا جسيمًا بقرينة البراءة واعتداءً خطيرًا على الحق في المحاكمة العادلة، وهو ما يستوجب التوقّف عنه فورًا حمايةً للحقوق والحريات الأساسية واحتراما لقرينة البراءة التي تؤكد الشبكة ضرورة احترامها في مختلف المحاكمات.

خرق قرينة البراءة والتدخل في عمل القضاء

يُستذكر في هذا الإطار تحوّل رئيس الجمهورية قيس سعيّد، في ساعة متأخّرة من ليلة 14/2/2023، إلى مقرّ وزارة الداخلية، حيث صرّح بمتابعته للإيقافات التي تمّت في حقّ عدد من المعارضين والقضاة، ووجّه خطابًا إلى القضاة قال فيه، بخصوصهم: "إنّ التاريخ أثبت إدانتهم قبل القضاء"، ثم تصريحه في 22/2/2023 بأنّ "من يبرّئهم فهو شريك لهم".

وتُعدّ هذه التصريحات نموذجًا لتدخّل مباشر في الشأن القضائي، من شأنه التأثير في استقلالية القضاة وحيادهم، خاصةً حين يصدر عن رأس السلطة التنفيذية وفي سياق قضايا منشورة أمام المحاكم.

وهي تتكامل مع ما سبق بيانه من ضغوطات سُلّطت على قضاة تعهّدوا بنظر مثل تلك القضايا، بما مسّ بحقّ المتهمين في محاكمة عادلة، وانتهك قرينة البراءة التي يتمتعون بها، والتي لا يجوز المساس بها أو تقويضها بخطاب سياسي سابق على الفصل القضائي الباتّ.

حرمان المتّهمين من دون مبرّر موضوعيّ من حقّ حضور محاكماتِهم

مع انطلاق نشر القضايا الجنائيّة التي يُحاكم فيها سياسيّون معارضون أمام الدوائر الجنائية المتخصصة في القضايا الإرهابية، صدرت ابتداءً من 26/2/2025 قرارات عن المشرفين على المحاكم بتونس العاصمة تقضي بإجراء المحاكمات في جميع القضايا الموصوفة بالإرهابيّة عن بُعد.

وقد تمّ التّمديد في العمل بهذه القرارات إلى غاية تاريخ تحرير هذا التقرير، من دون وجود أي مبرّر أمنيّ أو صحّي موضوعيّ من شأنه أن يفسّر اللجوء إلى هذا الإجراء الاستثنائي لتشمل عشرات القضايا الإرهابية في الطّورين الابتدائي والاستئنافي.

وقد ترتّب عن ذلك حرمان المتهمين في عدد كبير من قضايا التآمر والقضايا ذات الخلفية السياسية من حقهم في الحضور الشخصي أمام المحكمة، ومنعهم من الدفاع عن أنفسهم بصورة مباشرة.

وقد دفع هذا الوضع عددًا منهم إلى خوض إضرابات عن الطعام في محاولة لفرض حقهم في حضور جلسات محاكمتهم، دون أن تتم الاستجابة لطلباتهم.

ومن بين هؤلاء المعارض السياسي والأستاذ الجامعي جوهر بن مبارك، الذي خاض إضرابًا عن الطعام في أواخر شهر مارس 2025 احتجاجًا على منعه من حضور جلسات محاكمته، وحرمانه بالتالي من حقه في الدفاع عن نفسه.

وتؤكّد الشبكة أنّ المحاكمة الحضورية حقّ أساسي من حقوق المتهم وشرطٌ جوهريّ من شروط المحاكمة العادلة، وأنّ التعسّف غير المبرّر في تقييد هذا الحقّ يُفرغ المحاكمة من مضمونها، ويقوّض مصداقيّتها، ويمسّ بصورة مباشرة بضمانات الدفاع وبثقة المتقاضين في العدالة وتدعو القضاة التونسيين إلى احترام حق المتهمين في محاكمة حضوريّة وألا يلتجئوا للمحاكمة عن بُعد إلا وفق مقتضى الضرورة وفي حدوده.

شملت المحاكمات عن بُعد عددًا من الشخصيّات السياسيّة والأمنيّة والقضائيّة البارزة، من بينهم الرئيس السابق لمجلس نواب الشعب راشد الغنوشي، ورئيس الحكومة الأسبق علي العريض، والوزراء السابقون نور الدين البحيري ورياض بالطيب وغازي الشواشي ورضا بالحاج، إلى جانب برلمانيين سابقين وهم عصام الشابي ورضا شرف الدين والصحبي عتيق والسيد الفرجاني والحبيب اللوز وناشطين سياسيين من بينهم عبد الحميد الجلاصي وخيام التركي وجوهر بن مبارك وكمال اللطيف وريان الحمزاوي، وإطارات أمنية سابقة وهم توفيق السبعي ومحمد علي العروي ولزهر لونغو ومحرز الزواوي، إضافة إلى القاضي بشير العكرمي. وقد تمّت محاكمة جميع هؤلاء عن بُعد في القضايا الموجّهة إليهم، من دون تمكينهم من الحضور الشخصيّ أمام هيئات الحكم، رغم كونهم موقوفين في السجون التونسية، وتمسّك أغلبيتهم الصريح بحقهم في المثول الحضوريّ أمام المحكمة. ويُشار في هذا السياق إلى أنّه سبق سماعهم جميعًا حضورياً أمام قضاة التحقيق، من دون أن يثبت في أي مرحلة أنّ نقل أيٍّ منهم من مركز إيقافه إلى مقرّ المحكمة قد شكّل خطرًا على الأمن العام، بما ينزع عن اللجوء إلى المحاكمة عن بُعد أي مبرّر أمني موضوعي.

المسّ بعلنيّة المحاكمة وحقّ الرأي العام في متابعة المحاكمات الكبرى

تُوثّق بيانات النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين، باعتبارها أبرز هيكل نقابي مستقل وممثّل للصحافيين في تونس، جملةً من الممارسات التي تنطوي على تقييد ممنهج للتغطية الإعلامية للقضايا ذات الصلة الوثيقة بالرأي العام.

ومن أبرز هذه الممارسات:

أوّلًا: منع التداول الإعلامي في قضايا ذات صبغة عامةوهو منع يمسّ بحريّة الإعلام ولا تبرّره مقتضيات البحث القضائي.

ويتمثّل ذلك في توجيه قاضي التحقيق بالمكتب عدد 36 بالقطب القضائي المتخصّص في القضايا الإرهابية، بتاريخ 18 جوان 2023، مراسلةً إلى رئيس الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري، أعلمه صلبها بإصداره قرارًا يقضي بمنع التداول الإعلاميّ في موضوع وحيثيات القضيتين المصطلح على تسميتهما بـ«المؤامرة 1» و«المؤامرة 2»، الموجّه فيهما الاتهام إلى شخصيات سياسية وحقوقية بارزة.

وقد استُند إلى هذا القرار لإثارة أبحاث جزائية ضدّ محاميين هما دليلة مصدّق وإسلام حمزة، وضدّ صحافيين هما برهان بسيس وخلود المبروك، بما يؤكّد أنّ الغاية منه كانت منع اطّلاع الرأي العام على الحيثيات الحقيقيّة لملفّات جزائية طالت عددًا غير قليل من المعارضين، في اعتداءٍ صارخ على حريّة الإعلام، بات يتّخذ طابعًا ممنهجًا وشمل مختلف القضايا الكبرى، من خلال ما فُرض من تضييقات على مواكبة الصحافيّين لعمل المحاكم ومواكبة نشاط الهيئة الوطنية للمحامين.

ثانيًا: منع الصحافة القضائية من متابعة القضايا الموصوفة بالمحاكمات السياسيّة ومواكبة نشاط الهيئة الوطنية للمحامين

أكّدت بيانات صدرت عن نقابة الصحافيين وشهادات موثقة لصحافيين تونسيين منع السلطة الإعلاميين من دخول قاعات الجلسات ومواكبة القضايا السياسية.

"منع أعوان أمن بالمحكمة الابتدائية بتونس الصحفية بموقع المفكرة القانونية منال دربالي في 15 ديسمبر 2025 من دخول قاعة الجلسة لتغطية جلسة محاكمة نشطاء جمعية "أرض اللجوء" وقد طالب أعوان الأمن الصحفية بترخيص خاصّ لدخول القاعة." المصدر: النقابة الوطنية للصحافيين: تقرير شهر ديسمبر 2025.

كما تمّ، في أكثر من مناسبة، منع صحافيين من دخول قصر العدالة بالعاصمة تونس لمواكبة التحرّكات الاحتجاجية التي دعت إليها جمعية القضاة التونسيين أو الهيئة الوطنية للمحامين في تونس.

وقد أكدت النقابة الوطنيّة للصحافيين التونسيين هذه الوقائع في بيان صادر عنها بتاريخ 13 فيفري 2026.

"يتواصل إصرار السلطة القضائية في التضييق على العمل الصحفي داخل المحاكم. فبعد تتالي حالات منع تغطية الجلسات، تم صباح اليوم الجمعة 13 فيفري 2026 منع الصحفيين والمصورين الصحفيين من تغطية الوقفة الاحتجاجية التي نظمتها الهيئة الوطنية للمحامين التونسيين بالمحكمة الابتدائية بتونس 1."

"وقد تمّ منع كل الفرق الصحفية التي التحقت بالمحكمة لتغطية الوقفة الاحتجاجية مما عطّل عملهم لتغطية الحدث وقد تنقل عميد المحامين وأعضاء الهيئة إلى خارج أسوار المحكمة للتصريح لوسائل الإعلام وكسر الحصار على عملهم".
المصدر: بيان النقابة الوطنية للصحافيين في تاريخ 13 فيفري 2026.

وقد أدّت هذه الممارسة التي باتتْ معتمدةً بشكلٍ ممنهج إلى حجب المعلومة وحصر مصادرها في تسريباتٍ صادرة عن مؤسّسات إعلاميّة عُرفت بموالاتها للسّلطة، سواء تعلّق الأمر بالأحكام الصادرة أو بالقرارات المتّخذة في شأن تلك القضايا.

وتؤكّد الشبكة أنّ هذه الممارسات، فضلًا عمّا تنطوي عليه من اعتداء على حرية الإعلام، تمسّ مباشرة بالحق في الحقيقة، الأمر الذي يفرض على السلطات التونسية الكفّ عنها، احترامًا لحقّ المواطنين في النفاذ إلى المعلومة، وضمانًا لشفافية عمل القضاء، وإسنادًا للمدافعين عن استقلاله وعن الحقّ في محاكمة عادلة.

نتيجة للمسّ باستقلالية القضاة والمحامين المقرون بانتهاك أسس المحاكمة العادلة، تشهد تونس بصورة متزايدة توظيفًا للقضاة بهدف حماية مصالح السلطة على حساب الحقوق والحريات الأساسيّة ومنها الحقوق السياسية وحرية التعبير وحرية إنشاء جمعيات والحرية النقابية.

وقد أدّت هذه الممارسات القضائية إلى إحكام السلطة هيمنتها على الفضاء العام تبعًا لإحكام هيمنتها على قطاع العدالة، بما يقوّض أسس الديمقراطية، وصولا إلى إصدار أحكام بالغة القسوة بحق شخصيات المعارضة السياسية على خلفية معارضتهم السياسية غير العنفية.

وإذ تُنبّه الشبكة إلى خطورة هذا المنحى، فإنّها تدعو إلى التوقّف الفوري عن هذه التتبّعات، وعدم التمادي في اعتماد المحاكمات الجزائية وسيلة لإسكات الأصوات المعارضة، بما يتعارض مع الضمانات الدستورية والمعايير الدولية لحرية التعبير.

حالة صابر شوشان أصدرت المحكمة الجنائيّة الابتدائيّة بجهة نابل في تاريخ 01/10/2025 حكمًا يقضي بإعدام المواطن التونسي صابر شوشان، وذلك على خلفيّة اتّهامه بنشر تدوينات على إحدى شبكات التواصل الاجتماعي انتقد فيها رئيس الجمهورية قيس سعيّد. وقد أثار هذا الحكم موجةً واسعة من الاحتجاجات الحقوقية، نظرًا لخطورة العقوبة المسلّطة وطبيعة الأفعال المنسوبة، وما يطرحه ذلك من تساؤلات جدّية حول احترام مبدأ التناسب وضمانات حرية التعبير. وعلى إثر هذه التفاعلات، أصدر رئيس الجمهورية بتاريخ 07/01/2025 عفوًا خاصًا في الموضوع.

كما تُلفت الشبكة إلى أنّ العقوبات التي تمّ الحكم بها في معظم هذه القضايا اتّسمت بالقسوة بما يخالف مبدأ تناسب العقوبة مع خطورة الفعل المدعى به.

وفي الواقع، لا يمكن تفسير هذه العقوبات إلا على أنها تخويفيّة تهدف إلى إشاعة مناخ من الخوف داخل المجتمع، وهو ما يتعارض مع جوهر الوظيفة القضائية القائمة على تحقيق العدالة وضمان الحقوق والحريات.

ملف قضية التآمر (1) من أصل 39 متهما في قضية التآمر (1) والتي شملت عددا من المعارضين السياسيين، صدرت أحكام بإدانة 33 منهم، تراوحت عقوباتهم بين سنتين و45 سنة حبس، علمًا أن 24 منهم تجاوزت عقوباتهم 20 سنة حبس.

وقد شملت هذه التتبّعات السياسيين و النقابيين، وممثّلي الجمعيات الناشطة في المجال الحقوقيّ، ولا سيّما تلك التي تعمل على حماية الفئات الهشّة، من بينها المهاجرون، بما يعكس استهدافًا ممنهجًا للأجسام الوسيطة ذات الدور الرقابي والاجتماعي.

حالة سعدية مصباح منذ سنة 2013، تنشط سعدية مصباح صلب جمعية منامتي المناهضة للعنصرية، وقد أسهمت، إلى جانب جمعيتها، في تطوير الوعي المجتمعي بخطورة ظاهرة العنصرية وما تقتضيه من سياسات عمومية وتشريعات لمجابهتها. وقد تُوِّج هذا المسار بإصدار القانون الأساسي عدد 50 لسنة 2018 المؤرخ في 23 أكتوبر 2018 المتعلّق بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.
وعقب ساعات قليلة من خطاب ألقاه الرئيس التونسي قيس سعيّد خلال اجتماع جمعه بكبار قادة القوات الأمنية والعسكرية بتاريخ 05 ماي 2024، اتّهم فيه منظمات المجتمع المدني المدافعة عن حقوق المهاجرين بالعمالة للخارج، تمّ إيقاف سعدية مصباح وسبعة من العاملين في الجمعية. وقد وُجّهت إليهم، على خلفية نشاطهم الحقوقي، تهم تتعلّق بتبييض الأموال، وأُحيلوا بحالة إيقاف على الدائرة الجنائية الابتدائية بالمحكمة الابتدائية بتونس وليصدُر في حقها بتاريخ 19 مارس 2026 حكم عن الدائرة الجنائية الابتدائية يقضي بسجنها ثمانية أعوام وتخطيتها بمائة وعشرين ألف دينار تونسي، مع أحكام سجنية متفاوتة (بين عام وثلاثة أعوام) وخطايا مالية في حقّ خمسة ناشطين ومتعاونين مع الجمعية.

خلاصة

ويُستخلص ممّا سبق أنّ وضع القضاء والحريات في تونس يبعث على انشغال عميق، لا سيّما في ظلّ ما اتّجهت إليه السلطة السياسية من تقويض للمؤسّسات الضامنة لاستقلالية القضاء، وذلك من خلال حلّ المجلس الأعلى للقضاء، وإلغاء مختلف الضمانات الدستورية والقانونية المكرّسة لهذا المبدأ، ثمّ استعمال سلطة الأمر الواقع لفرض هيمنة كاملة على السلطة القضائية، بما أفضى إلى توظيفها في ملاحقة ومحاكمة معارضين سياسيين وناشطين في المجتمع المدني، فضلًا عن عدد غير قليل من الأفراد الذين عبّروا عن مواقف نقدية تجاهها.

وتؤكّد الشبكة، في هذا السياق، على ضرورة القطع مع هذه الممارسات، وعلى حتمية احترام استقلالية القضاء وضرورة أن يلتزم القضاة فيما ينظرون من قضايا بدورهم في حماية الحقوق والحريات بما يُمكّن من استعادة مقوّمات الديمقراطية في تونس، ويُعيد لثورة الحرية والكرامة التونسية روحها الملهمة لشعوب المنطقة التوّاقة للحرية والتي ترى أن ذلك لن يتحقّق لها إلا بقضاء مستقلّ ونزيه.